في ذكرى جريمة التسفيرات بتهمة التبعية
رحل الطاغية ولم يعد المهجّرون جميعا

     
قبل اثنين وثلاثين عاما، في الأسبوع الأول من نيسان عام 1980، ارتكب النظام المقبور واحدة من "جرائم العصر" الكثيرة  التي لن تغفر له، جريمة تسفير مئات الآلاف من المواطنين العراقيين بالاكراه ودون سابق انذار، ورميهم في العراء وراء الحدود، تطبيقاً لقرار صادر كما تبين لاحقا من رأس النظام شخصيا! واعتمدت في تنفيذ الجريمة، التي اقتـُرفت بدعوى تبعية هؤلاء المواطنين لايران، اساليب منافية للقانون تماما بل ومنتهكة له، حتى لو كانوا من تبعية غير عراقية حقا. اساليب اقل ما يقال فيها انها وحشية همجية. وتكفي الاشارة الى ان التسفير شمل حتى كثيرين من الاطفال ومن المعوقين،  الذين تـُركوا في مناطق الحدود من دون وليّ أمرٍ او مرافق. 

وحملت الجريمة معها هوامش لا تقل إجراما، بل تزيدها إثما وشناعة. حيث احتجز الشبان والرجال الاقل عمرا بين المواطنين المغدورين المذكورين، ممن تتراوح اعمارهم بين 18 و 35 عاما، ونقلوا الى المعتقلات والسجون ومنها خصوصا سجن "نقرة السلمان"، ليحولوا في ما بعد إلى "فئران" تجارب لأسلحة النظام البيولوجية، ويبادوا تدريجا في حقول تلك التجارب البشعة.

واقدمت سلطات النظام من جانب آخر على مصادرة  الأموال المنقولة وغير المنقولة وحتى الوثائق الثبوتية والشخصية والمدرسية، لضحايا حملتها الآثمة. كذلك روّجت لطلاق زوجات المواطنين المسفرين، ممن لم يشملهن قرار التهجير القسري، بل وفرضت عليهن في حالات كثيرة طلب الطلاق من ازواجهن (وبما يخالف الشريعة)، الامر الذي ادى الى تمزيق ما تبقى من النسيج العائلي للمهجرين، وتسبب في مآسٍ كثيرة لهم ولاطفالهم.

لقد كان المهجرون جميعا، وهم يعدون بمئات الآلاف، عراقيين ولدوا هم وآباؤهم وأجدادهم في بلاد ما بين النهرين، ومنهم من سكن اسلافه أرض العراق حتى قبل ظهور الإسلام. وكان بينهم مسيحيون وصابئة، فضلا عن كثيرين من العرب الأقحاح، ولكن جلهم كانوا من الكـُرد الفيليين. 

وليس بمستطاع أبلغ الأفلام تراجيدية ً أن يصوّر تلك الأيام السود من ربيع 1980، حين راحت قوافل من سيارات الشرطة تنقل "المعاقبين" المكدسين فوق بعضهم في أحواضها. وكانت تنطلق وسط نحيب المكرهين على الرحيل ودموعهم، فيجيبهم نحيب أعلى ودموع احرّ، من الناس الواقفين على الأرصفة وهم يلوحون. والكل خائف أو كالخائف، مرتجف أو كالمرتجف. وعلى مقربة من الحدود مع إيران رمتهم السيارات باطفالهم وشيوخهم ونسائهم، واجبرهم الجلاوزة على التوجه  سيرا على الاقدام، وسط البرد والأمطار والثلوج، دون ماء أو طعام، نحو الحدود والاراضي الايرانية. وكانت المسيرة في الظروف القاسية والارض الوعرة طويلة مأساوية، استغرقت عدة أيام، وتوفي خلالها عديدون من الضحايا، وقـُتل آخرون جراء الألغام، وتعرض غيرهم الى الاعتداء والسلب من جانب قطاع الطرق.


بعد مسيرة الآلام انتشر العراقيون المنكوبون في عدة مدن إيرانية، لا سيما القريبة من الحدود. فصاروا تحت رحمة  الحرب التي اشتعلت بين العراق وإيران في خريف 1980، وأتى القصف الصدامي على قسم منهم. وهاجرت أعداد اخرى لاحقا، لاجئة إلى بلدان أوربا وغيرها. لكن السواد الأعظم منهم، وهم فقراء عاطلون عاجزون، ظلوا في حال لا يحسدون عليه. فلا هم بلاجئين، ولا نالوا حق المواطنة الإيرانية، وكان كل ما حصلوا عليه بطاقة تعريف (كارت أخضر) تحمل عبارة: (تبعية عراقية)!


هم العراقيون الذين ذ ُبحوا بين تبعيتين. وحين عاد بعضهم إلى وطنه بعد سقوط الطاغية، ظلوا مراجعين مستديمين في الدوائر الرسمية، وهم يسعون للحصول على جنسياتهم، على بيوتهم وأملاكهم، على حق التعويض، على حق الوظيفة والعمل، على حق المواطنة.  بعضهم اصابه اليأس وهو يجاهد لاسترداد حقوقه المهدورة، فعاد أدراجه الى منفاه، والحسرة تملأ قلبه. والبعض الآخر ما زال ينتظر. والانتظار يطول. واخباره تنزل مثل ماء بارد على  بقية المهجرين، المتعطشين الى الرجوع،   فيطوون حلم العودة ويجمدونه .. ولو مؤقتاً.
 كم سيستمر هذا الحال المحزن بعد؟
أما آن أوان ازالة آثار هذه الجريمة الشنيعة من جرائم التمييز العنصري والطائفي مرة والى الابد، ومعها كل ما ينافي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ودستور العراق الحرّ الجديد؟


ماتع ـ الثلاثاء 3 نيسان 2012