الكورد الفيليون بين الأماني والواقع
 

محمود الوندي / المتتبع للاحداث التي جرت على عوائل الكورد الفيليين، وما تعرضوا من تهجير وقتل وتعذيب، ولم يسبقهم في هذا المضمار الا يهود العراق.

حيث صدر من النظام البائد قراراته القرقوزية من الإستبداد مع سبق الاصرار والترصد ضدهم ، لمصادرة أموالهم وممتلكاتهم وطردهم عراة خارج العراق في عتمة الليل، في فترة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي دون ذنب سوى انهم كورد استهدفهم نظام البعث وهجرهم بسادية منقطعة النظير ، لان نظام البعث كان ينفذ مشروعه الاستراتيجي البغيض لإنهاء الكورد بكل فئاته وحيثما تواجد .  لكن الأكثر تألما هو إسقاط عنهم الجنسية وفك إرتباطهم بالوطن بقرار صارم من صدام حسين .. وبكل برودة يسقط جنسيتهم ويلغي إنتماءهم ، بدلاً عن ذلك حسبوهم "رعية" أجنبية (إيرانيون) !! بالرغم من ان هؤلاء مولودين هم واباؤهم واجدادهم في ارض العراق والبعض منهم تمتد اصولهم الى فترة ما قبل ظهور الاسلام . ويلغي انتمائهم الى ارض تشبعت بعرق جبينهم ، وتوجعوا بموجعاتها ، وساهموا في دوي صيتها ، قبل عقود وإلى الآن .

فإن الأكثر إيلاماً فان أغلبية المسؤولين في ادارة العراق الجديد من أعلى مسؤول في الدولة العراقية الى أبسط مسؤول يعلم حجم المأساة والمعاناة الإنسانية التي مرت بها الكورد الفيلية، ولم يؤشر اي مسؤول مما لحق بهم من ظلم وتعسف في ايام نظام البعث، واصبحت هذه الشريحة المهمة في خانة النسيان والاهمال برغم قرار المحكمة الجزائية الخاصة ، باعتبار جريمة ترحيل الكورد الفيلية (حينوسايد) الحملة الظالمة وجريمة إبادة جماعية (لا بد ان يستثمرهذا القرار لجهة إبداء المزيد من الرعاية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لهم). اقولها باسف شديد هذه الشريحة المنكوبة في العراق الجديد، ما زالوا يعاملون بقانون التبعية، مع أن وجودهم بالعراق يمتد لمئات السِّنين، بل إن منهم من يعد نفسه سومري الأَصل حباً بالعراق أو أنها حقيقة تاريخية. وقد برهنوا على ذلك على مدى عقود طويلة من تاريخ العراق الحديث، وفي مختلف المجالات وفي كل ميادين العمل والابداع، وهم اكثر اهل العراق تضحية ومواقف مشرفة لمقارعة السلطات الدكتاتورية، وقدموا قوافل من الشهداء والتضحيات الجسيمة من اجل  الحرية والديمقراطية وساهموا بكل تفاني واخلاص في الحركة الوطنية والدفاع عن حقوق الشعب العراقي.

لقد مضي أكثر من تسعة سنوات على الحكم الجديد، ما زال الكورد الفيليون يحلمون ويتمنون لكي تأخذ الحكومة العراقية على عاتقها حل مشاكلهم وترفع عنهم ولو قليلا من الغبن الذي لحق بهم من قبل النظام السابق، وكانوا باعتقادهم ان الحكومة العراقية الجديدة ستلتفت الى حالهم!! ، فتكدست تلك التمنيات والأحلام ، بأنهم سوف يسكنون بيوتهم ويعيشون عيش رغيد وحياة كريمة، ويعود لهم وثائقهم العراقية، وبعواطفهم الحارة (حرارة بغداد) يتجولون في حاراتهم ويطوفون أزقتها ، لكن وجدوا العكس تماماً على أرض الواقع، لم يسمعوا سوى تصريحات جميلة ومؤثرة عن قضيتهم والوعود حول معالجة قضاياهم التي ضجت بها الصحافة والاعلام، ناهيك عن التقصير المتعمد بحقهم. والعراقيل التي توضع أمام كل فيلي يريد استرداد جنسيته العراقية المسلوبة .

ومن بديهيات الأمور أن العبرة هي في الأفعال وليس في الأقوال فقط. لذا نتساءل: بالرغم من كل الكتابات والمقالات والمناشدات التي ناشدت المسؤولين العراقيين ، لماذا لم تجر ترجمة هذه الوعود والتصريحات إلى أفعال وأعمال ؟؟ !! ولماذا لم تطبق كل هذه الوعود والعهود والقرارات لحد الآن ؟؟ !!  كان من المؤمل ان تحل قضايا الكورد الفيلية بعد سقوط نظام البعث ويجري أنصافهم وتعويضهم باسترجاع أملاكهم وأموالهم وإعادة جنسيتهم العراقية ، أما تقديم التعويض اللازم لهم مع منح كامل حقوقهم المنهوبة .

للأسف الشديد ولم يلتفت احد الى تلك المعاناة والمأساة التي تم بحق الكورد الفيلية رغم صرخات تطلقها الضمائر الحية بضرورة حسم قضاياهم والاسراع بمعالجة الاضرار ما اصابهم من قرارات النظام السابق ، من الواضح ان الاطراف السياسية الحاكمة ينظرون الى قضية الكورد الفيلية نظرة هامشية ..  فرغم انهم يتلقون الوعود والمساندة والكلام الجميل والمعسول من كل الاطراف الحاكمة والحزبية ، وتماطرت عليهم تلك الوعود ، الا انهم لم يقبضوا سوى تكرار لتلك الوعود والكلمات التي حفظوها ، وعدم الالتزام بهذا الكم من التصريحات والوعود والعهود والقرارات من قبل مسؤولين في الحكومة او في الاحزاب المتنفذة ، ولم وجدت طريقها إلى التنفيذ . بل هناك اطرافا سياسية تحاول استخدام قضية الكورد الفيلية ورقة رابحة في مناورتها السياسية عند الحاجة .  ومن حقنا ان نطرح السؤال التالي :  من المسؤول عن التهميش والأقصاء المتعمد للكورد الفيلية ؟؟ سيكون الجواب في مقالة قادمة.

Back