الفيليون: أصالة و عَراقة و آمال و هموم  (8)

 الدكتور مهدي كاكه يي

 

الفيليون بحاجة الى مرجعيات دينية و حوزات علمية كوردية

قبل الحديث عن الموضوع، أرى أنه من المفيد الإلمام بشكل مقتضب ببعض المعلومات التأريخية عن الإجتهاد لدى الشيعة و المراجع الدينية الشيعية و الحوزات العلمية و أماكن تواجدها و أهدافها. ترسخَ نظام الإجتهاد لدى الشيعة في عهد متأخر، كما يذكر الدكتور علي الوردي (راجع كتاب الدكتور علي الوردي المعنون "لمحات إجتماعية من تأريخ العراق الحديث"، الجزء الثالث، الطبعة الأولى، صفحة 87 115، سنة 2004)، حيث أنه قبل ذلك كان الشيعة منقسمين الى فرقتين متنازعتين هما الإخبارية و الأصولية. الإخباريون لا يجيزون الإجتهاد و إنما يعتمدون في أحكامهم الشرعية على الأخبار الواردة عن النبي و الأئمة الأثني عشر، و من هنا جاءت تسميتهم ب(الإخباريين). الأصوليون يرون أن الأخبار الواردة قد لا تكون صحيحة و تختلف في درجة مصداقيتها، لذلك يتوجب على الفقيه البحث في أسانيدها و المقارنة بينها، مستعيناً في ذلك بعلم خاص يسمى علم (الأصول)، لكي يتحقق من مدى صحتها و يتمكن من إستنباط الأحكام الشرعية منها. في أوائل القرن التاسع عشر، كان النزاع على أشده بين الإخباريين و الأصوليين، حيث كان الشيخ جعفر كاشف الغطاء حامل راية الأصوليين، بينما كان المرزا محمد الأخباري حامل راية الإخباريين.

غالبية المراجع الدينية الشيعية في العالم هم من الفرس أو ينحدرون من أصول فارسية. قد يعود السبب في ذلك الى إستلام الشيعة للحكم في إيران و لفترة طويلة، مقارنة بالشيعة في البلدان الأخرى الذين يعانون من الإضطهاد الطائفي فيها، بإستثناء شيعة العراق الذين تحرروا من مظالم الحكومات الطائفية بعد تحرير العراق في سنة 2003، إلا أنه بالرغم من ذلك، فأن الشيعة لا يزالون يتعرضون للقتل على الهوية على يد الإرهابيين البعثيين و الوهابيين الطائفيين. إن هؤلاء الفقهاء والمراجع العليا الذين تتوفر فيهم شروط تبؤ المرجعية، لهم أتباع ومقلدون في أنحاء العالم، حيث أنه بالإضافة الى وظيفة المراجع الإفتائية، فأنهم يقومون بإدارة شؤون العباد و العمل على توحيد الطائفة الشيعية و مساعدة الطبقات الفقيرة منهم.

نشأت الحوزات العلمية مع بداية ظهور الإسلام، حيث كان الرسول يجمع أصحابه في دار الأرقم ليزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة، ثم إنتقل هذا المجلس إلى المسجد، أو إلى دار علم مجاورة للمسجد، وتطور بعد ذلك تدريجياً لتأخذ هذه الحوزات كياناً متميزاً، له خصائصه وسماته. الحوزة العلمية هي عبارة عن جامعات و مراكز و مدارس دينية شيعية، يتم فيها تدريس العلوم الإسلامية و اللغة العربية و الأصول و الفقه و الحديث و العقائد و الفلسفة و غيرها من العلوم الدينية. الحوزات العلمية تنتشر في مختلف الدول التي تتواجد فيها المجتمعات الشيعية. تقع المراكز الرئيسة للحوزات العلمية في كل من العراق و إيران و سوريا و لبنان. مدينة قم الإيرانية تضم أكبر مركز للحوزات العلمية، حيث يبلغ عددها خمسين حوزة، بالإضافة الى وجود ست حوزات علمية في مدينة طهران و ثماني في مشهد و خمس حوزات في أصفهان و توجد حوزة علمية واحدة في كل محافظة إيرانية. تُعتبر الحوزة العلمية في النجف من أشهر الحوزات في العالم و المركز الأكثر أهمية و شهرةً، كما أنه توجد حوزات أخرى في مدينة كربلاء و الكاظمية و سامراء و الحلة و غيرها من المدن العراقية. توجد حوزات علمية في حي السيدة زينب في مدينة دمشق السورية و في بيروت و في منطقة جبل عامل في جنوب لبنان و حوزة علمية في الكويت. تنتشر مدارس و مراكز دينية و ثقافية شيعية و حسينيات في مختلف بقاع العالم التي تتواجد فيها مجتمعات شيعية، في دول مثل أذربيجان و البحرين و اليمن و باكستان و أفغانستان و بنغلادش و الهند و أندنوسيا و أوغندا و تنزانيا و زائير و ساحل العاج و غانا و غينيا و غيرها من الدول.

ترتكز الحوزة العلمية على ثلاث عناصر أساسية: العنصر البشري الذي يشمل الفقيه المرجع المجتهد والعلماء و الأساتذة والطلاب. العنصر الثاني هو التمويل المالي لتحمل تكاليف الحوزة العلمية من إقامة المباني و صيانتها و توفير مواد التدريس و وسائلها و مساعدة الأساتذة و الطلاب و تكفيل معيشتهم الحياتية و تحمل أعباء النشاطات الدينية و الثقافية المختلفة للحوزة العلمية. تكون مصادر تمويل الحوزات العلمية عن طريق أموال الخُمس التي يتبرع بها المريدون، إضافة إلى تبرعات أثرياء الشيعة من تجار و سياسيين و موظفين كبار و رجالات الطبقات العليا في المجتمع الشيعي و من أموال الأوقاف. العنصر الثالث الذي ترتكز عليه الحوزة العلمية هو المناهج الدراسية التي تتضمن ثلاث مراحل: المقدمات و السطوح والسطح العالي وتأتي بعدها مرحلة درس الخارج، حيث يتهيأ فيها الطالب للوصول إلى مرحلة الإجتهاد. يتعلم الطالب في المراحل الأولى من دراسته العلوم الأولية، وإذا كان مجّداً في دراسته، فقد يكون قادراً على الحصول على مرتبة التبليغ، إلا أن وصول الطالب الى هذه المرتبة لا يؤهله الخوض في الأمور الفقهية والسياسية والإدارية وغيرها من متطلبات إدارة المجتمع، حيث يتطلب التصدي لمثل هذه الأمور القيادية والسياسية والتنفيذية والفتاوى الشرعية وصول الطالب الى مرتبة الإجتهاد، حينئذ يحصل على لقب "آية الله العظمى". الطالب الذي ليست له القدرة الكافية لبلوغ مرحلة الإجتهاد في الحوزة العلمية، فإن عليه مسئولية لا تقل أهمية عن السعي لبلوغ مرحلة الاجتهاد، وهي مهمة التبليغ التي قد تكون بواسطة المحاضرات أو الندوات، أو تأليف الكتب ونشرها، وقد تكون بواسطة إرتقاء المنابر الحسينية في أيام عاشوراء و أيام شهر رمضان. كل ذلك وغيره هو خط التبليغ الذي تقوم الحوزة العلمية بإدائه.

تقوم الحوزة العلمية بوظائف عديدة، منها تدريس العلوم الشرعية، بالإضافة إلى ممارسة بعض الأنشطة في ميادين الحياة العامة، مثل المجالات السياسية والفكرية والإجتماعية التي تلعب فيها أدواراً فاعلة، إلا أن أبرز وظائف الحوزة هي الإجتهاد والتبليغ. يمثل خط الإجتهاد الذي تتبناه الحوزة العلمية، الهدف الأبرز من أهداف الحوزة العلمية، إذ تتخذ المناهج مع العناصر الحوزية البشرية صياغة الإنسان المجتهد في علوم الشريعة الإسلامية، حيث يواصل، بموجب مرحلة الإجتهاد، مسألة تولي إستنباط الأحكام الشرعية، وتبليغها لأفراد الطائفة الشيعية.

إقترن ظهور الحوزات الشيعية بمجاورة مقابر الأئمة الشيعية؛ حيث تُقام الحوزة بجوار تلك القبور، لعل السبب الأبرز في ذلك هو أن الشيعة يرتبطون روحياً و عقيدياً بأئمة أهل البيت و يريدون أن يكونوا بالقرب من أضرحتهم، إضافة الى كون مثل هذه الأماكن المقدسة قبلةُ للزائرين و كثرة ترددهم عليها، وصرف أموال الأوقاف على المراقد والمحتاجين المجاورين لها؛ مما يعني وجود مورد مالي يدعم وجود و إستمرارية هذه الحوزة أو تلك، ويؤمّن لطلابها وأساتذتها مورداً كافياً ليعيشوا به ليتمكنوا من التفرغ لطلب العلم.

ساهمت و تساهم الحوزات العلمية في نشر اللغة العربية والثقافة العربية و تعريب المسلمين القادمين إلى تلك الحوزات من أذربيجان و باكستان و أفغانستان و الدول الأفريقية و غيرها من البلدان التي تحتضن المجتمعات الشيعية غير العربية. هؤلاء الطلاب من غير العرب يعودون إلى بلدانهم كعلماء نحو و صرف وبلاغة، فضلاً عن كونهم علماء دين. عليه فأن للحوزات العلمية دور كبير في نشر اللغة العربية وعلوم القرآن، إذ بمجرد أن يعود هؤلاء الطلاب المغتربون إلى أوطانهم، فأنهم يعودون وهم يشعرون بالفخر و الإعتزاز لتعلمهم اللغة العربية و إتقانهم لها و تمكنهم من قراءة القرآن، و فهم كتب التأريخ الإسلامي والعربي، بلغتها العربية، وقد ينقلون ذلك لأبنائهم ومواطنيهم في تلك البلدان الأجنبية. نظراً لكون القرآن و الأحاديث النبوية مكتوبة باللغة العربية، فأن الحوزات العلمية تلعب دوراً كبيراً في فرض الثقافة العربية و التراث العربي و اللغة العربية على الشعوب المسلمة التي هي من أصول غير عربية و تعمل على صيانة و تطوير اللغة العربية، حيث أن الحوزات العلمية تدافع بكل قوة عن اللغة العربية ضد اللغات غير العربية و تجعلها تسود على اللغات التي تتكلم بها تلك الشعوب المسلمة.

لا يخفى أن الفيليين يعتنقون المذهب الشيعي، بل يُحدثنا التأريخ بأن الفيليين في بلاد ما بين النهرين سبقوا الصفويين في إعتناقهم لهذا المذهب بفترة طويلة. بالنسبة الى التأثير الثقافي و اللغوي الذي تتعرض له الشريحة الفيلية نتيجة إرتباطها و تبعيتها لمرجعيات النجف و الإنخراط في الحوزات العلمية التابعة لتلك المرجعيات، أننا نعرف بأن الشعوب تتبع الطوائف الشيعية في الدول التي تعيش فيها بغض النظر عن إنتماءاتها القومية. هذا يعني بأن أفراد الشيعة الذين ينتمون الى قوميات مختلفة يصبحون تابعين الى الثقافة و اللغة العربية المتداولة في الحوزات العلمية. في حالة الطائفة الشيعية الكوردية (الفيليين) في كل من العراق و إيران، فأنها تتأثر بشكل كبير بالثقافة العربية و الفارسية في كل من العراق و إيران على التوالي، أي أن الإنسان الكوردي الشيعي (الفيلي) يتم فرض اللغة و الثقافة العربية و الفارسية عليه بسبب إنتمائه الى الطائفة الشيعية و أن الشريحة الفيلية تفقد هويتها و ثقافتها القومية و لغتها الكوردية و تراث شعبها و تكون، بسبب إنتمائها الطائفي، تابعة لغوياً و ثقافياً للقوميتين السائدتين، العربية و الفارسية. نتيجة هذا الواقع الطائفي، فأن الهوية الكوردية للفيليين تتعرض للإضمحلال و الإندثار، حيث يتم فرض لغة و ثقافة العرب و الفرس على الشريحة الفيلية و يتم إهمال خصائصها القومية و هجر لغتها الكوردية. نظراً لكتابة القرآن و الأحاديث النبوية باللغة العربية، فأن اللغة و الثقافة العربية تفرض نفسها على الشعوب المسلمة المنتمية الى الشعوب غير العربية و تلّم الشعوب المسلمة المنتمية الى قوميات غير عربية بالتأريخ الإسلامي (الذي هو تأريخ العرب) أكثر مما تلّم هذه الشعوب بتأريخها. إن هذا الغزو اللغوي و الثقافي له آثار خطيرة على الثقافة و اللغة الكوردية للشريحة الفيلية بسبب إفتقار الكورد لكيان سياسي يعمل على صيانة اللغة و الثقافة الكوردية و تطويرها و بسبب عيش معظم الفيليين خارج إقليم جنوب كوردستان. من هنا نرى أن الشريحة الفيلية تتعرض الى الذوبان في القوميتين العربية و الفارسية، حيث يستغل العرب في العراق و الفرس في إيران الإنتماء الشيعي لهذه الشريحة الكوردية لتعريبها (كما يحصل في العراق) أو تفريسها (كما يحصل في إيران). يتم إستغلال الإنتماء الطائفي لهذه الشريحة الكوردية لفرض لغة و ثقافة القومية السائدة (الحاكمة) بأسلوب ملتوٍ تقوم به القومية الطاغية لتحقيق أهدافها القوموية العنصرية الهادفة الى تجريد الشعوب و القوميات الأخرى من هوياتها و لغاتها و ثقافاتها و تراثها و تأريخها و إذابتها في قوميتها. هكذا بالنسبة للمرجعية السُنّية، حيث تقوم بنفس الأدوار القوموية لصهر الشعوب غير العربية و تكون الشعوب التي تفتقد الى كيانات سياسية، كما هو حال الشعب الكوردي، الأكثر تعرضاً للمسخ اللغوي و الثقافي و الإنصهار القومي. إن القومويين العنصريين يستغلون الدين الإسلامي لتمرير خططهم العنصرية في صهر بقية الشعوب و القوميات.

أثناء مرحلة دراستي المتوسطة و الإعدادية، كان لي صديق و زميل الدراسة، تنتمي عائلته الى قبيلة شمّر العربية. إنتقلت أسرته الى مدينة خانقين ليتبؤ أبوه وظيفة وكيل المرجعية الشيعية في خانقين. عندما إنتقل أسرة صديقي الى خانقين، كان طفلاً صغيراً. كبر زميلي هذا و شغل منصب وكيل المرجعية بعد وفاة والده و الذي لا زال يؤدي تلك الوظيفة و مستمراً فيها في الوقت الحاضر. يبلغ الآن من العمر حوالي 56 عاماً، قضى 50 سنة منه في المدينة الكوردستانية، خانقين، حيث أن الغالبية المطلقة من سكانها هم من الكورد. هذا الرجل الذي قضى طفولته و شبابه، بل عمره مع الكورد، لا زال يتكلم العربية مع سكان المدينة و يستعمل العربية في خطبة الجمعة و عزاء الإمام الحسين و لم يحاول تعلم لغة أهل المدينة ليتفاعل بشكل أكثر معهم. شخص واحد يفرض على جميع الشيعة من سكان مدينة خانقين التكلم باللغة العربية للتفاهم مع السيّد الشيعي و مضطرون أن يستمعوا الى خطب الجمعة و المواعظ الدينية بغير لغتهم بالرغم من أن الكثيرين من سكان المدينة غير قادرين على التكلم بالعربية و لا يفهمون ما يقوله السّيد، كل ما يقومون به هو الإصغاء إلى خطبه و مواعظه كإنسان مصاب بالصمّ و البُكم. هذا مثال حيّ على مدى تأثير تبعية الكورد الشيعة للمرجعيات الشيعية العراقية على لغتهم و ثقافتهم.

تبعية الفيليين الطائفية لمرجعية غير كوردية تقود أيضاً الى إحداث خراب إجتماعي و سياسي في نسيج الشعب الكوردي. من الناحية الإجتماعية، فأن الفيليين عند تبعيتهم لمرجعيات غير كوردية و إلتحاق طلاب الدين بالحوزات العلمية غير الكوردية، فأنهم يكونون في إحتكاك و إتصال و تواصل مستمر و متواصل مع الشيعة العرب و يكوّنون مجتمعاً متجانساً مع البعض، بينما من جهة ثانية تؤدي هذه التبعية الى عزل الشريحة الشيعية الكوردية المتمثلة بالفيليين عن بقية الشرائح الكوردية الأخرى و تعرقل تجانس و تفاعل و تآلف هذه الشريحة مع الشرائح الكوردية الأخرى و بذلك تبني حاجزاً بين الفيليين و بين بقية أفراد شعبهم الكوردي من الذين يعتنقون المذهب السُنّي أو الذين ينتمون الى ديانات غير إسلامية و تخلق حالة من التغريب بينها. بمرور الزمن، قد ينتج من هذا الإنقطاع و التباعد بين الشريحة الكوردية الشيعية من جهة و الشرائح الأخرى من الشعب الكوردي من جهة أخرى حالة من الإنقطاع و الجفاء و الإختلاف، كما هو الحال بالنسبة الى العداء التأريخي و الأيديولوجي المستفحل و المزمن بين الشيعة و السُنّة في العالم.

أن يكون الفيليون مريدين لمرجعيات غير كوردية، يعني إلتزامهم الديني بفتاوى و تعليمات مراجعهم الدينية و العمل بها. قد قد تكون تلك الفتاوى ضد الشعب الكوردي أو ضد مصالحه و تطلعاته القومية و الوطنية. في هذه الحالة يصبح الفيليون في موقف حرج لا يُحسدون عليه، حيث أنهم من جهة، كما أسلفتُ، فأنهم ملتزمون دينياً بإطاعة فتاوى و أوامر مراجعهم الذين يتبعونهم، و من جهة ثانية فأن إلتزاماتهم القومية تجاه شعبهم الكوردي تجعلهم يترددون أو يمتنعون عن العمل بما يوصيهم به مراجعهم. عندما تمس الفتوى الكورد كقومية و شعب، فأنه في هذه الحالة ستخصّ الشريحة الفيلية أيضاً لكونها جزء من الشعب الكوردي و الذي يعني إساءة المرجعية الى الشريحة الفيلية التي تتبع الطائفة الشيعية نفسها التي تنتمي إليها المرجعيات العلمية أيضاً، كما حدث عندما أفتى المرجع الشيعي أبو الحسن الأصفهاني المتوفي في عام 1946 بعدم جواز مصاهرة الكورد أو كما يذكر الكليني في كتابه المعنون "الكافي" بأنه يجب تنبيه الكورد بحد السيف. هنا يتبين لنا أنه في بعض الأحيان تظهر حالات من التنافر بين الإلتزامات الطائفية و القومية للفيليين، نتيجة تبعيتهم لمرجعيات دينية غير كوردية و في الوقت نفسه إمتلاكهم لقيادات سياسية كوردية. هذه الإزدواجية تخلق المشاكل الثقافية و الإجتماعية و السياسية للشريحة الفيلية. بما أن المرجعيات الدينية تهتم بحياة و شئوون الطائفة الشيعية، فأنهم بدون أدنى شك يتدخلون في أمور السياسة و الحكم و بذلك في بعض الحالات تفترق الأهداف السياسية لهم عن الأهداف و المصالح الكوردية و يحصل التنافر بين مصالح الجانبين. في أحيان كثيرة تتغلب الأفكار القوموية على المرجعيات الدينية و يتم إستغلالها لأغراض سياسية لخدمة القومية الحاكمة أو السائدة و التي تضر كثيراً بدورها بالقضية الكوردية. إن أحد أهم أسباب تلك الفتاوى الصادرة من مراجع شيعية ضد الكورد قد يعود الى العداء التأريخي بين الكورد و الشيعة الذي نشأ عندما قضى القائد الكوردي صلاح الدين الأيوبي على الدولة الفاطمية العبيدية الشيعية التي كانت أكبر دولة شيعية في التأريخ الإسلامي، حيث أرجع صلاح الدين الأيوبي مصر، حاضرة الدولة الفاطمية الى حظيرة الخلافة العباسية السُنيّة. ليت صلاح الدين لم يقم بذلك العمل، حينئذٍ كنا نرى خارطة طائفية و سياسية لمنطقة الشرق الأوسط و العالم الإسلامي تختلف مع تلك التي نراها اليوم، و ربما بعمله ذلك قد حرّم بني جلدته، الكورد، من إمتلاك دولتهم المستقلة و كان سبباً للويلات و المآسي التي عانوا و يعانون منها منذ ذلك التأريخ الى يومنا الحاضر على يد طائفته السُنيّة من العرب و الترك.

خلال الحقب الماضية، منذ تأسيس الكيان السياسي العراقي بعد الحرب العالمية الأولى الى يوم تحريره في سنة 2003، كان العراق يرضخ تحت حُكم طائفي و عروبي متوحش. في تلك الفترة المظلمة، كانت الخيارات المتاحة أمام الفيليين معدومة للتصدي لمشكلة الغزو الثقافي العربي لهم و الذي يهدد وجودهم كشريحة كوردية تحافظ على خصائصها القومية، حيث أنه حينذاك كان الفيليون سيتعرضون للقتل و الإبادة إذا ما أقدموا على المطالبة بالتمتع بحقوقهم القومية و الطائفية. كما نعرف أن النظام البعثي الفاشي قام بتجريدهم من ممتلكاتهم المنقولة و غير المنقولة و حجز الشباب منهم و قتلهم و قام بتهجيرالآخرين منهم الى إيران بدون أي مبرر. نتساءل هنا ماذا كان يكون مصيرهم لو تحركوا للحفاظ على هويتهم القومية و ممارسة شعائرهم الدينية، في الوقت الذي قام النظام البعثي بإلقائهم وراء الحدود الإيرانية العراقية و حرّمهم من "المواطنة العراقية" بدون أي سبب منطقي يبرر ذلك؟ إن التأريخ يشهد بأن الفيليين هم السكان الأصليون لبلاد ما بين النهرين و أن الطائفة السُنيّة التي حكمت العراق منذ خلقه ككيان سياسي من قِبل الحكومتين البريطانية و الفرنسية بعد الحرب العالمية الأولى الى يوم تحريره من الطغمة البعثية المتوحشة في التاسع من نيسان عام 2003، تنحدر من بدو الجزيرة العربية القاحلة التي منها نزحوا الى العراق، حيث المياه و الأرض الخصبة و الحياة و أن تأريخ نزوح الكثير من القبائل العربية للعراق لا يتعدى المائتين سنة (لمزيد من المعلومات راجع كتاب ستيفن هيمسلي لونكريك المعنون "أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث" الصادر في سنة 1968، ترجمة جعفر الخياط، الطبعة الرابعة، بغداد). إنه من سخرية القدر أن يصبح الغزاة و الغرباء حكاماً و سادة على العراق و يصبح أهل البلد عبيداً لهم.

بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي و إنتهاء الحرب الباردة و تحرير كل من العراق و أفغانستان و ظهور ظاهرة العولمة و ثورة المعلومات و الإتصالات و بزوغ معالم نظام عالمي جديد و إنتشار مبادئ الديمقراطية و الحرية و حقوق الإنسان و المرأة و رعاية الطفولة و الشيخوخة على كوكبنا الأرضي، تغيّرت المفاهيم و المعادلات السياسية في العالم و باتت الأفكار الشوفينية و الإستعلائية، مثل العروبية و الكمالية (نسبةً الى كمال أتاتورك) تتجه نحو السقوط و الإنهيار و الإضمحلال و بدأت تتجسد معالم عالم جديد يؤمن بالتعددية و الديمقراطية و إحترام الرأي الآخر و حقوق الإنسان و تعاظم سلطة الرأي العام العالمي و الوطني و أصبحت الشعوب المضطهَدة في العالم تستعد لكسر قيودها، حاملةً مشاعل التحرر و الإستقلال. كما أن تحرير العراق من براثن حزب البعث الفاشي، خلق عراقاً جديداً أصبح إضطهاد الشيعة و الكورد فيه و إستعبادهم جزءً من الماضي البغيض الذي لا يمكن له أن يعود أبداً. هذه المستجدات العالمية و الإقليمية و العراقية خلقت مناخاً ملائماً و ظروفاً تأريخية للفيلين للنهوض بشريحتهم و أمتهم و العمل من أجل إثبات وجودهم و حماية هويتهم و ثقافتهم و لغتهم و لعب دور حيوي في الحياة الإجتماعية و السياسية و الإقتصادية الكوردستانية و العراقية.

هذه التطورات تُحتّم على الفيليين دراسة واقعهم الجديد على ضوء هذه المستجدات التأريخية الكبرى و من ثم تحديد أهدافهم و إستراتيجتهم و تثبيت الوسائل و الآليات التي توصلهم الى أهدافهم و أمانيهم و طموحاتهم. بقدر تعلق الأمر بالمرجعية الدينية و الحوزات العلمية، فأنني أرى أنه يجب البدء بالعمل على تهيئة مراجع دينية كوردية لهم و ذلك بتحديد أعداد من الطلاب الفيليين الذين لهم الرغبة و الإهتمام و المقدرة و إلتحاقهم بالحوزات العلمية في النجف لتخريج علماء و أساتذة دينيين و إيصال قسم منهم الى درجة التبليغ و المرجعية ليكونوا نواةً لمرجعية كوردية و تكوين و تأهيل أساتذة و مدرّسين للحوزات العلمية الكوردية أو الكوردستانية. من جهة أخرى يتطلب أيضاً توفير المستلزمات التي تحتاجها الحوزات العلمية من أبنية و مناهج دراسة و وسائل التدريس و الأموال اللازمة لدفع رواتب العلماء و الأساتذة و المساعدات المادية المقدمة لطلاب الحوزات. بعد بروز المرجعيات الكوردية، يتم البدء بفتح حوزة علمية في بغداد، حيث تعيش أعداد كبيرة من الفيليين هناك و من ثم يمكن أن تتطور الحوزات و تتسع لتصبح في مدن مثل خانقين و مندلي و غيرهما. يمكن توفير الأموال اللازمة لإيجاد الحوزات العلمية و ضمان إستمراريتها و إدامتها عن طريق مساعدات مقدمة من كل من حكومة إقليم جنوب كوردستان و الحكومة العراقية و تبرعات أثرياء الكورد و الشيعة و من جمعيات خيرية و إنسانية إقليمية و دولية و المنظمات التابعة للأمم المتحدة المعنية بمثل هذه الأمور. تحتاج الحوزات الى مثل هذه الإعانات في بداية تأسيسها، حيث أنه عندما يشتد عودها و تكون هناك مراجع كوردية لها مريديها، حينئذٍ تستطيع هذه الحوزات من تسيير شئونها و رعاية و تمويل نفسها ذاتياً عن طريق أموال الخُمس و تبرعات الأثرياء و المشاريع الإقتصادية التي قد يتم إستثمار الأموال فيها. بهذه الإستراتيجية يتمكن الفيليون من التخلص من الإزدواجية القيادية المذهبية و القومية و منع حدوث شروخ بينهم و بين الشرائح الكوردية الأخرى و جعل الدراسة في الحوزات العلمية باللغة الكوردية و إستخدام لغتهم في المواكب الحسينية و خطبة الجمعة للمشاركة في تعليم أفراد شريحتهم لغتهم الأم و تطوير هذه اللغة و نشرها.

موضوع المرجعية و الحوزات الكوردية لا يقتصر على الكورد الشيعة، بل أن المصلحة القومية للشعب الكوردي تتطلب من الكورد السُنة أن يبدءوا بإيجاد مرجعياتهم الدينية الخاصة بهم و إحياء الثقافة الكوردية و توحيد و تطوير اللغة الكوردية العريقة. بهذا العمل تسود اللغة الكوردية و يتم بثّ روح الفكر القومي الكوردي (كوردايه تي) في المسلمين الكورد بشيعتهم و سُنتهم و بذلك تتكامل الديانة الإسلامية للكورد مع الديانات الكوردية القديمة، مثل اليزيدية و الكاكائية و الزردشتية التي هي أديانٍ كوردية خالصة بكُتبها و مَواطن نشوئها و تطورها. التطورات السياسية و العلمية العالمية و الإقليمية تفرض نفسها بقوة على الأمة الكوردية و خلقت ظروفاً تأريخية عظيمة للكورد لتحقيق أهدافهم و آمالهم في الإستقلال و الحرية و الحياة الحرة المرفهة. على الكورد أن لا يفرطوا في هذه الفرصة السانحة. عليهم الإبتعاد عن الأفكار و الوسائل التقليدية البالية و أن يقوموا بتحليل واقعهم و واقع المنطقة و العالم على ضوء التطورات الكبرى الجارية فيهم و حولهم و من ثم وضع إستراتيجية قومية شاملة تتصف بالمرونة و اللامركزية، آخذين بنظر الإعتبار الظروف الذاتية لكل إقليم من الأقاليم الكوردستانية و في نفس الوقت الظروف و الخصائص التي تشترك فيها الأقاليم. أأمل أن أتمكن من تناول قضية شعبنا الكوردي في إقليم شمال كوردستان و تقييم ظروفهم و تحديد مصادر القوة و الضعف فيهم و طرق و وسائل النضال من أجل تحقيق أهدافهم في الإستقلال و التحرر و ذلك ضمن السلسلة من المقالات المعنونة "تركيا الى أين؟" التي بدأتُ بنشر قسم منها. بعد الإنتهاء من هذه المقالات، أبدأ بنشر تقييم شامل للتجربة الكوردستانية في إقليم الجنوب. كما أأمل أن أتحدث في المستقبل عن الوقائع في إقليمَي الشرق و الغرب و التطورات السياسية الجارية فيهما، بعد أن أتمكن من معرفة الظروف السياسية فيهما، حيث أن المعلومات التي أمتلكها هي معلومات قليلة لا تفي بالهدف. بإستكمال تلك الدراسات نستطيع رسم صورة شمولية واضحة للمسألة القومية الكوردية و رؤية واقعية و طموحة لمستقبل الأمة الكوردية و دورها في منطقة الشرق الأوسط و العالم.

mahdi_kakei@hotmail.com