إزالة هذه المظلومية التاريخية أصبحت هاجساً يقلق الكورد الفيليين

 

بقلم : نظيرة إسماعيل كريم

 

أن تاريخ الكورد يعود إلى أكثر من 5 آلاف عام ، فقد وجدوا على أرضهم  كردستان منذ تلك الأزمنة القديمة ، وهي ، منطقة واسعة تشمل شمال وشرق العراق وغرب إيران وجنوب تركيا وقصبات من روسيا وسوريا ، كما هاجرت أعداد غفيرة منهم إلى الولايات المتحدة ودول أوروبية وشرق أوسطية واستراليا وغيرها من الدول الأخرى في العقود الأخيرة ، وهي حقيقة  تؤكدها ثوابت  تاريخية . وتتوزع القبائل الكوردية المختلفة على أرض كوردستان فمنهم من يعيش في جبالها وأخرى على سفوح هذه الجبال أو السهول الواسعة فيها . وعليه تأثرت كل مجموعة منهم بلغات وأديان ومذاهب الدول التي أغارت على أراضي كوردستان واحتلتها لفترة تاريخية وكذلك أهالي المناطق المجاورة لها أو الدول التي هاجرت لها  ، إلا إنهم جميعا يؤمنون بانتماءهم القومي وبأنهم جزءاً لا يتجزء من كيان الشعب الكوردي. كما لا يخفى على أحد مدى المظلوميات والاعتداءات وعمليات الإبادة التي تعرض لها هذا الشعب على مدى التاريخ وهنا نخص بالذكر الكورد في العراق .

 

حين تم رسم الحدود الدولية كان اتجاه الدول القومية الدولية التي برزت بعد الحرب العالمية الأولى هو التقليل من عدد أبناء الأمة الكردية من خلال تقليص مساحة أراضيها وتحويل مواطنيها الأصليين إلى أقلية غير ذات أهمية في تلك الدول .  وكانت مصلحة الدولتين العراقية والإيرانية آنذاك وأطراف أخرى في حينه تستدعي إخراج الكورد اللر سيما الفيليين منهم  فضلاً عن قبائل كردية كثيرة أخرى من كيان الأمة الكوردية من خلال  تنسيبهم إلى أرومية عربية أو أصول إيرانية *.                                                                      

ويتجلى العامل السياسي في محاولة إخراج الكورد الفيليين من الحريم الكوردي بعبارة وردت في كتاب ادموندز الذي كان أحد أركان عهد الانتداب البريطاني على العراق ويتولى مركز مستشار لوزارة الداخلية العراقية طوال السنوات المنتهية بالعام ( 1945) حيث قال { إن الطريق السلطانية الممتدة من كرمنشاه إلى كرند يليها الخط المستقيم المنتهي بمندلي وهو على وجه التقريب الحد الفاصل بين بلاد الكورد الأصلية وبين ذوي قرباهم { اللر واللك } يعدون من الشعب الكوردي } . 

 

ومن بين أهداف بل وواجبات ادموندز كان التقليل من التواجد الكوردي الفيلي على ارض العراق بل أن ينكر انتماءهم إلى القومية الكوردية تمشياً مع السياسة البريطانية آنذاك والتي انكرت على الكورد اللر عراقيتهم وحرمتهم من الجنسية الجديدة للدولة المستحدثة واعتبرتهم مواطنين إيرانيين نازحين إلى العراق بسبب الرباط القبلي ووشائج القربى التي تشد بين هؤلاء وبين الكورد الآخرين الذين يسكنون ذلك الجزء من أرض كردستان إيران أي لرستان والبختياري الشرقية بغية التقليل من شأن التواجد الكوردي في البلاد الجديدة العراق . 

 

وكانت هذه التجزئة أي السعي لتمييز الكورد الفيليين عن سائر بني قومهم قد بدأت منذ عام 1639م. في الجنوب عند التوقيع على أول معاهدة حدودية بين حكومة آل عثمان وحكومة الصفويين . وبعين الروح والهدف تم عقد معاهدة لوزان عام 1923م. بديلاً لمعاهدة سيفــر الميتــة بين الحلفاء و الحكومة التركية الجديدة حيث عولجت فيها مسألة الجنسية العراقية والتركية فأصبح بإمكان المواطن العثماني اختيار الجنسية التي يفضلها العراقية أم التركية وأهمل تماماً البت في موضوع جنسية الكورد الفيليين المنتشرين في معظم أرجاء الدولة الجديدة الذين بقوا منذ أول معاهدة عقدت بين الإمبراطوريتين الجارتين عرضة لتغيير جنسياتهم تبعاً لتغيير الحدود خلال المعاهدات العديدة المنتهية بمعاهدة رسم الحدود في العام 1913م. وهو العام الذي سبق الحرب العالمية الأولى . 

 

وصدر قانون الجنسية العراقية في العام 1924م. على ضوء نصوص معاهدة لوزان التي مر ذكرها والاستهداء بها والاعتماد عليها . وكان الحكام العراقيين الجدد على معرفة تامة بالظروف الغريبة التي الجأت عدداً كبيراً من الكورد الفيليين العراقيين إلى نبذ الجنسية العثمانية تلك المشكلة التي انقلبت إلى مأساة للآلاف من أحفادهم . فقد كانت الدولة العثمانية وخلال العقود الأربعة التي سبقت الحرب العالمية الأولى بحاجة دائماً إلى جنود في حروبها العديدة في البلقان او القوقاز او طرابلس أو شمال ِإيران وعليه أصدرت قانون القرعة العسكرية ثم نظام التجنيد العثماني وكان العراقي المجند والذي تشمله القرعة بحكم المحكوم عليه بالموت ، وقد لجأ البعض منهم إلى إصابة أنفسهم  بعاهة تعفيه من التجنيد العثماني إلا إن بعضهم اكتشف طريقة أسهل ألا وهي شراء الجنسية الإيرانية من القناصل الإيرانية في بغداد والبصرة والأماكن الشيعية المقدسة  وبذلك أصبح دفتر التبعية الإيرانية أو شطب الاسم من قيد النفوس العثماني في وقت الشدة سبيل الخلاص الوحيد من الموت المحقق . ولم ينفرد الكورد الفيليين باللجوء إلى هذه الوسيلة المنقذة إنما شاركهم العديد من العرب أيضاً مما خلف هؤلاء ذرية كبيرة لحقتهم لعنة الجندية العثمانية ليقعوا ضحايا التهجير البعثي خلال في أوائل السبعينات وعام 1980 فما بعد .   

 

وعليه سعت بعض القوى الاستعمارية آنذاك إلى تمييز الكرد في مناطق الوسط والجنوب في العراق خاصة العاصمة بغداد وأغلبهم من الكورد الفيليين بظلم من نوع خاص أجازت للحكومات الاستبدادية التي توالت على العراق منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى سقوط النظام المباد إلى تبني سياسة خاصة ضدهم والتي اعتبرتهم مواطنين من الدرجة الثانية وشدد النظام البعثي منذ تأسيسه وعلى مدى 35 عاماً من ممارساته التعسفية ضد هذه الشريحة من الشعب الكوردي في العراق ، حيث عرضهم إلى موجتين كبيرتين من عمليات التهجير القسري إلى إيران وحرمانهم من هويتهم الوطنية ومصادرة ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة وحجز أبناءهم وتغييبهم ثم إعدامهم . وكان الهدف الأول والأخير هو إبادة الشعب الكوردي وتشتيت أبناءه وتعريب مناطق سكناهم . وبعد السقوط استبشر الشعب الكوردي بالخير ومنهم كورد الوسط والجنوب وبالطبع العاصمة بغداد ، لكن يلاحظ بروز ظاهرة ، قلما كان يلتفت لها أحد أو يعيرها الأهمية ، إلا عندما بدأ تنفيذ التهجير القسري إلى إيران ضد الكورد الفيليين ، وهي إن العديد من هؤلاء الكورد عندما يسألهم احد عن قوميتهم يقولون نحن كورد فيليين . علاوة على ذلك إنه تأسست جمعيات ومنظمات تابعة للمجتمع المدني في العراق يضاف إليها اسم الكورد الفيليين مما أدى إلى أن يتبادر إلى أذهان البعض وجود تعمد في إطلاق مثل هذه العبارة لتمييز الكورد الفيليين عن سائر أبناء قومهم . لكن في الحقيقة نعتقد بأن هذه الظاهرة وليدة الظروف الراهنة التي يمر بها العراق والتي لا يسمح فيها الوضع الأمني والمشاكل التي تواجه النظام الديمقراطي الاتحادي للعراق الجديد أن يتم إزالة الأضرار  التي تعرضت لها هذه الشريحة من الأمة الكوردية والتي ألصقت بها زوراً وبهتاناً أسم التبعية الإيرانية حلاً جذرياً وعاجلاً ، وبتعبير آخر ، إن مسألة هذه التسميات ليست قائمة على تمييز هؤلاء الكورد لأنفسهم عن سائر أبناء شعبهم على أساس طائفتهم الدينية أو لهجتهم ، فلا يوجد تشدد طائفي  لدى الشعب الكوردي ، ولا يختلف هذا الشعب عن غيره من شعوب العالم في تعدد لهجاته وأديانه وطوائفه . إنما المسألة هي إصرار أبناء هذه الشريحة على تذكير الحكومة العراقية وحكومة إقليم كوردستان والبرلمان العراقي سيما النواب الكورد فيها على ضرورة حل مشاكلهم  وإزالة مظلوميات هذه الشريحة من الشعب الكوردي الذي أصبح هاجساً يقلقهم وذلك من خلال المطالبة وبالسبل السلمية وليس الإرهاب والعنف التي تتبناها جماعات بعيدة كل البعد عن آمال الشعب العراقي ونضاله من أجل إسقاط نظام البعث الفاشي وإرساء نظام الحكم الديمقراطي الاتحادي لتحقيق مطالبهم المشروعة ومنها أن تبادر المحكمة الجنائية الخاصة العليا بالبت وبسرعة في قضية التهجير القسري الذي تعرضوا له من قبل النظام البائد .

 

وبرأيكم ماذا على هؤلاء أن يفعلوه ؟ أليس لهم الحق في القلق من التلكؤ في عرض قضية تعرضهم للتهجير القسري والإبادة العرقية من خلال قتل عشرات الألاف من أبناءهم وبناتهم على المحكمة ليتم محاكمة وإدانة من كان مسؤولاً عن عملية الأنفال التي نفذت بحقهم ، والقلق من أن يتعرضوا لا سامح الله لممارسات قمعية تعسفية أخرى ولو على المدى البعيد سيما وإنه لم يتم لحد الآن البت وبشكل جدي وقوي وعاجل في قضاياهم العادلة. إن الكورد الفيليين لا يمكن أن يتخلوا عن إنتماءهم القومي للشعب الكوردي أو عن انتماءهم الوطني للعراق ، لكن يريدون ومن خلال سبل سلمية قائمة على أسس الحوار البناء والتسامح ومبادئ الديمقراطية وليس الإرهاب والعنف المطالبة بحقوقهم المشروعة . وطالما لهم قضايا ومشاكل لم يتم البت فيها لحد الآن ، فلابد أن يصروا على تذكير الجميع بها والمطالبة بحلها.

 

ـــــــــــــــــــ

*)اسكندر امان اللهي ( اقوام لر ص 8 ).