الكرد الفيليون ، لمن سيصوتون؟

عبد الستار نورعلي

 

حين وعيت عرفت انني من قوم يقال لهم الكرد الفيليون. ونعيش في عكَد الأكراد (حي الأكراد) وهو الحي الواقع في جوار مرقد الشيخ عبد القادر الجيلاني ببغداد. وسمي بعكَد الأكراد لأن غالبيته العظمى من الكرد الفيليين، الى جانب عدد من العوائل العربية السنية من الجنابيين والشيخليين. من ابنائهم من رضع حليب أمهاتنا ومن ابنائنا _ وأنا منهم _ من رضع حليب أمهاتهم لنصبح اخواناً في الرضاعة وفي الخلق والأخلاق.

 

وفي المواسم والأيام الدينية كان المرحوم والدي يصطحبني معه وانا طفل وانا صبي لزيارة مراقد الأئمة الأطهار في النجف وكربلاء ، علي والحسين والعباس عليهم السلام. أما مرقد الأمام موسى الكاظم فكانت زيارته من النساء والرجال مصطحبين أطفالهم دائمة مستمرة على مدار السنة.وكانت زيارة مرقد الشيخ عبد القادر الكَيلاني أيضاً دائمة للتبرك وتقديم النذور وتناول الشوربة.

 

وفي أيام عاشوراء في ذكرى واقعة الطف في كربلاء حيث استشهد ابو الشهداء الإمام الحسين بن علي ع  كان رجال الحي  وكل الأحياء الكردية الفيلية يرفعون الأعلام السود والخضر وينصبون الخيام والمصابيح حيث تبدأ ليالي قراءة القصائد الحسينية الرثائية واللطم على الصدور والبكاء على استشهاده عليه السلام. وفي اليوم العاشر من محرم يوم استشهاده كانت المواكب الحسينية تنطلق من مختلف أحيائها بأعلامها الخضر والحمر تتجه مستعرضة في شارع الملك غازي (الكفاح بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958) الى جامع المصلوب ثم تنفرط .

 

في طفولتي في خمسينات القرن الماضي كنت أرى مجموعة من الشباب يجتمعون خلسة في اعماق الليالي ببيتنا في غرفة ابن عمي جعفر صادق ملا نظر (أبو دلير)  لا أدرك ما يفعلون، حتى سمعت أن جعفر شيوعي وأن تلك اللقاءات ما هي الا اجتماعات حزبية حيث تطبع المنشورات لتوزع فيما بعد. ثم عشت سنوات مطاردته وتفتيش بيتنا من رجال الشرطة ومصادرة كتبه السياسية ثم سجنه وابعاده ونفيه. هو الذي سجلني في المدرسة وشجعني على المطالعة وخاصة الأدب الروسي والأدب العربي اليساري. فأحببت القراءة من حينها لأتخصص دراسياً باللغة العربية في جامعة بغداد كلية الآداب لأصبح مدرساً للغة العربية لمدة خمسة وعشرين عاماً، وشاعراً وكاتباً بها لحد اليوم.

 

بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 وحين وصل الزعيم الخالد الملا مصطفى البارزاني الى بغداد خرجنا كباراً وصغاراً نساءاً ورجالاً لاستقباله ، ولا أزال أذكر طلعته لتحيتنا من شرفة الفندق الذي نزل فيه بشارع الرشيد في منطقة السنك. بدأنا بعدها نسمع باسماء المناضلين اللامعين البارزين من الكرد الفيليين في صفوف الحركة القومية الكردية في كردستان العراق قيادة وقواعد، الى جانب رجال الأعمال والتجار الفيليين الذين كانوا يقدمون الدعم المادي للحركة منطلقين من مشاعرهم القومية الخالصة. وكان آباؤنا وأمهاتنا يلهجون باسم الملا مصطفى ويحتفظون بصوره.

 

أباؤنا وأمهاتنا يرحمهم الله امتازوا بالتدين والعبادة والزهد والتقوى، يصلون ويصومون ويؤدون الفرائض، وتلهج ألسنتهم وأفئدتهم بذكر الأمام علي والإئمة الحسن والحسين والعباس أبو راس الحار والكاظم والمهدي المنتظر والسيدة العقيلة زينب عليهم السلام. وكانت النساء يرتدين السواد أربعين يوما في ذكرى فاجعة كربلاء ويقيمون عزاء للنساء ليندبن ويلطمن ويبكين بحرقة ما بعدها حرقة.

 

مع كل تلك الوجوه كان هناك وجه آخر بين شبابنا في حي الأكراد حيث انصرف بعض منهم الى اللهو واللعب واحتساء ملذات الحياة دون انتماء سياسي أو التزام ديني أو ميل قومي.  

 

كان أصدقائي منذ الصغر خليطاً من الكرد والعرب والتركمان والكلدان والآشوريين والشيعة والسنة ومن كركوك والبصرة والحلة والناصرية والفلوجة وحديثة وهيت وراوة وعانة والموصل والعمارة والنجف وكربلاء .... ومن المتدينين وغير المتدينين، والمتعلمين وغير المتعلمين. والأغنياء والفقراء .........

 

وفي الستينات من القرن الماضي انتقلنا الى مدينة الحرية ليصبح جيراننا من العرب المشهدانيين والبطاويين والكاظماويين والفلسطينيين وأهل الجنوب العراقي، الى جانب أهلنا من الكرد الفيليين وغير الفيليين.

 

ثم جاءت التسفيرات والمطاردات ليتوزع الكرد الفيلييون في ايران وبلدان المهجر شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، ليكون جيرانهم وأصدقاؤهم بهرام ومهران وشهرزاد وماهزاد ، وأبو صياح وابو لحود وأم كامل وميادة ، وجون واليزابيث وسلافجه وكرمينا و ششتين وأريكسون .......

 

أنا واحد من ملايين الكرد الفيليين هؤلاء الموزعين على خارطة أرض الله الواسعة الشاسعة شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً ، وفي حضن الوطن الأم المنكوب .....

 

فلمن إذن سيصوت الكرد الفيليون ؟

 

 

9- 12- 2005