الكرد الفيليون والمحيط العرب

عبد الستار نورعلي
كتابات،
5/2/2005

كان الكرد على مدى التاريخ العربي الأسلامي متفاعلين وفاعلين في المجالات السياسيةوالثقافة والاجتماعية العربية تحت مظلة الاسلام . فأمثلة المشاركة في بناء التاريخ العربي كثيرة من خلال العديد من القادة ذوي الأصول الكردية الذين ساهموا في بناء الدولة العربيةالاسلامية والدفاع عنها وعلى رأسهم صلاح الدين ألأيوبي .... حيث أبلوا عسكرياً وسياسياً في ترسيخ المشاركة مع أخوانهم العرب من منطلق المجاورة و المعايشة المشتركة والتكامل والتزاوج والايمان الديني دون النظر الى عوامل التكوين القومي أو الفرداني التعصبي ، يجمعهم دين واحد وجغرافية واحدة وهدف انساني مشترك ينطلق من المعاناة المشتركة والأهداف الواحدة والمنطلقات العقائدية الموحدة . يحدوهم الصالح العام لمجتمعهم الواحد المؤتلف ومواجهة العدو المشترك المتربص خارجياً و داخلياً ، أو السلطة المستبدة الظالمة التي توزع بطشها وظلمها دون تمييز . لذلك كانت المساهمة فاعلة منطلقة عن قناعة من جانب الكرد عموماً ومنهم الفيليون ، لذا رأينا مشاركتهم في معارك العرب الكبرى ومنها بالخصوص معركة فلسطين سواء في زمن صلاح الدين الأيوبي أو الحديثة في حربي عام
1948 و حزيران عام 1967 . لقد شارك شباب الكرد الفيليين في هاتين المعركتين وقدموا شهداء على ساحاتها فتمتزج دماؤهم بدماء إخوانهم العرب . ولم يقتصر نضالهم على الحرب فقط بل امتد الى العمل السياسي من خلال المظاهرات والأنشطة الاحتجاجية في كل المناسبات السياسية والمعاركية في القضايا العربية المصيرية . كما ساهم أصحاب القلم منهم في الدفاع عن هذه القضايا وبالذات القضية الفلسطينية من منطلق انساني أوعقيدي تقدمي او منطلق ديني اسلامي . وكان لكاتب السطور هذه شرف المساهمة في هذا المجال في نتاجاته الأدبية شعراً ونثراً ، ويكفيه أنه أول من كتب قصيدة في ثورة الحجارة في أواسط الثمانينات من القرن الماضي نشرت في مجلة ( اليوم السابع ) الفلسطينية التي كانت تصدر في باريس وتحت عنوان ( في البدء الأرض ) ، كما أن جل ما كتبه من مأثور شعري وأدبي كان في قضية فلسطين والقضايا العربية .


من هنا نستطيع الاشارة الى أن الكرد عموماً والفيليون منهم ساهموا في الثقافة العربية بإغنائها وتقدمها أدباً ولغة وتأريخاً وفقهاً ، وخير الأمثلة سيبويه وابن خلكان ومحمد عبده واحمد شوقي والأخوان أحمد ومحمد تيمور رائدا القصة العربية الحديثة في أوائل القرن العشرين ، وعباس محمود العقاد ، والشعراء العراقيون جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي وبلند الحيدري وجليل حيدر ، والقاص عبد المجيد لطفي والروائي غائب طعمة فرمان ، والعلامة مصطفي جواد ، واللغوي كامل البصير .... الى جانب العمل الصحفي لصحفيين وإعلاميين أكراد في الصحافة العربية عموماً داخل العراق وخارجه ، وهم كثر كاثرة ....... لا مجال لإحصائهم في هذه العجالة .

إن دور الكرد والفيليون منهم إذن في الحياة السياسية والثقافية والفكرية العربية دور متميز كبير ومهم في تطور الحياة العربية والتفاعل معها عن قناعة تامة ومعاشرة ومجاورة وتكامل اجتماعي وفكري و سياسي ، مما جعلهم جزءاً مهماً فاعلاً ومؤثراً في الوسط العراقي العربي ومنه الى الوسط العربي الكبير . هذا الدور وهذه المساهمات لا يقدر أحد تجاهلها أو نكرانها أو طمسها مدفوعا بهذاالهدف أو ذاك .

من هذه الحقيقة التاريخية فإن للوسط العربي وتفاعلاته التاريخية السياسية تأثيراً مقابلاً في الشعب الكردي وقضاياه المصيرية ومطالباته وأهدافه لا يقل عن التأثير الكردي المقابل بحكم ما أسلفناه من العيش المشترك بكل جوانبه ومدياته . ولذا فإن للموقف العربي العام خارج حدود العراق أهمية كبيرة في المسار الكردي .

للكرد الفيليين في العراق قضيتهم المتميزة نوعاً بحكم المعاناة المزدوجة قومياً ومذهبياً وما لحقهم من المظالم في التهجير واغتصاب الأموال والممتلكات خلال عقود حكم النظام السابق ، وأكبر هذه المظالم هو تجريد مئات الآلاف من جنسيتهم العراقية أثناء حملة التسفير في الثمانينات من القرن الماضي بدعوى التبعية الايرانية ، فعليه من الأهمية بمكان توجههم صوب الرأي العام في المحيط العربي في العراق وخارجه من أجل التعريف بقضيتهم وعرضها كقضية عراقية أصيلة ضمن مجموع القضايا التي تسبب النظام الدكتاتوري في خلقها وتركها عائمة غير محلولة تحتاج الى علاج مثل غيرها من القضايا.

وأظن أن التوجه نحو هذه الأوساط العربية والتعامل معها بشفافية وإقامة علاقات حسنة معها ليس بخطأ أو مثلبة ، فالفيليون بحاجة الى كل صوت يفهم ويتفهم قضيتهم ليكون ضمن من يدعون الى حلها والدفاع عنها بدل أن يفقدوا مثل هذا الصوت . وأظن أن الوسط العربي بكل أطيافه ومواقفه ومنطلقاتها في العراق يعرف تماماً ما لقيه الكرد الفيليون .

لكن بعض أطياف هذا الوسط منطلقاً من قناعات خاصة يمكن ان يقف بالضد من مطالب أو حقوق الفيليين ، و بالمقابل على الكرد الفيليين مهمة أكبر وهي كسب هذه القوى لا معاداتها وإثارة حفيظتها ونحن على أبواب استحقاقات الحقوق والدستور الجديد وأهمية القوى المؤثرة في صياغته وتوجهاته.

العرب هم جيران وأخوان وأصدقاء وأصهار ومسلمون ومواطنون في نفس الوطن وعلى نفس الأرض ، عانوا ماعانى غيرهم من أطياف العراقيين ، والتوجه اليهم على اختلافهم مهمة يجب أن تكون من الأولويات الفيلية .